كيف تتسامح.. مع من يختلف معك؟
حوار أجراه ا / عصام غازي مع الأستاذ عمرو خالد لمجلة كل الناس بتاريخ 21- 27 ديسمبر 2005
بعض الناس لا يعرفون كيف يتعاملون مع الآخرين هم بالنسبة لهم إما أصدقاء جدا أو أعداء ألداء..
وفي لحظة يمكن أن يتحول الحبيب إلى خصم لا يطاق لمجرد أنه أختلف مع الآخر أو أخطأ في حقه.
هذه النظرة الضيقة تخالف أخلاق الرسول الكريم وأسلوبه الحكيم حتى في مفاوضاته مع الكفار لدرجة أنه كان يمتدح أخلاق بعضهم حتى لو تأخروا في إعلان إسلامهم..
الداعية عمرو خالد يكشف المزيد من دروس السيرة النبوية العطرة في التسامح وفي البحث عن أي نقطة اتفاق مع خصمك.. وهو ما يفيد المسلم العادي.. وأهل السياسة أيضا.
سألت عمرو خالد:
هل تروي لنا تفاصيل مرحلة تفاوض النبي مع القبائل ليضمها إلى الإسلام؟
النبي صلى الله عليه وسلم خاض 26 تجربة فاشلة مع القبائل لدعوتهم لدينه الجديد، ولكن لم يقعده الإحباط أو يكسره الفشل.. ومنها تجربته مع قبيلة بني شيبان الذين التقاهم الرسول الكريم، وكان يمثل بني شيبان في اللقاء ثلاثة من قادتهم الكبار: مغروق بن عامر وهانئ بن قبيسة والمثنى بن حارثة.
تقع المنطقة التي تسكنها بني شيبان بين بلاد العرب وبلاد الفرس، على الأطراف الحدودية، وبينهم وبين الفرس معاهدات وعلاقات قوية جدا.. وكان الفرس في ذلك الوقت دولة عظمى.
يلتقي النبي صلى الله عليه وسلم بهؤلاء الثلاثة من قادة بني شيبان ومعه أبو بكر الصديق الذي يعرف أنساب العرب.. وهو مثل وزير الخارجية الآن. دخل النبي صلى الله عليه وسلم على بني سيبان فقال له أبو بكر الصديق: يا رسول الله هذه قبيلة عظيمة لو قبلوا والله لأعزنا الله بهم عزا عظيما.
يبدأ أبو بكر اللقاء فيسألهم:
كم عددكم؟ “يقصد المقاتلين” فقالوا: يزيد على الألف رجل، فقال أبو بكر: فكيف المنعة فيكم؟.. فقالوا: علينا الجد والبذل وعلى الله النصر والفوز.
فقال أبو بكر: فكيف الحرب بينكم وبين عدوكم؟.. فقالوا: إنا أشد ما نكون غضبا حتى نلقي عدونا، وإننا نفضل الجياد على الأولاد، ونفضل السلاح على اللقاح.
أي لا تهمنا زراعة الأرض بقدر ما يهمنا وجود السلاح بين أيدينا.
حكمة اختيارات النبي من آيات القرآن
ينظر مغروق إلى النبي وسأل: لعلك أخا قريش؟
فرد أبو بكر: نعم، أو بلغك أنه رسول الله؟ فقال مغروق: بلغنا أنه يزعم أنه رسول الله.
فيسأل مغروق: فماذا تريد؟ فقال النبي: أن تأووني وتحموني حتى أبلغ رسالة ربي، فإن قريشا تكالبت على أمر الله، وأن الله غني حميد.
فقال مغروق: إلام تدعو يا أخا قريش؟ فرد النبي صلى الله عليه وسلم: بهذه الآيات: “قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم ألا تشركوا به شيئا وبالوالدين إحسانا ولا تقتلوا أولادكم من إملاق نحن نرزقكم وإياهم ولا تقربوا الفواحش ما ظهر منها وما بطن ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق ذلكم وصاكم به لعلكم تعقلون”. “سورة الأنعام”. فقال له مغروق: وإلام تدعو أيضا؟ فأكمل النبي الآيات: “ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن حتى يبلغ أشده وأوفوا الكيل والميزان بالقسط لا نكلف نفسا إلا وسعها وإذا قلتم فاعدلوا ولو كان ذا قربى بعهد الله أوفوا ذلكم وصاكم به لعلكم تذكرون”.
فأشرق وجه مغروق وقال: وإلام تدعو أيضا؟
فقال النبي: “إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون”.
انظر اختيار النبي لما يقرأ على الكفار؟ يحدثهم عن الأخلاق. عن الأشياء التي تتفق مع قطرة كل إنسان محترم.
فسكت مغروق.
فقام هانئ بن قبيسة وقال: قد سمعت مقالتك يا أخ قريش ولكن لا نترك ديننا ونتبعك في جلسة واحدة ليس لها أول ولا أخر، إنه لوهن في الرأي، وإن الذلة في العجلة ولكن ننظر وتنظر ونفكر ونعود إليك. فرفع المثنى بن حارثة يده وقال: يا أخ العرب يا أخ قريش إني أرى ما تدعو إليه تكرهه الملوك وإني أرى أن الفرس إن سمعت بهذا الكلام ستحاربه وإن بلادنا تقع بين بلاد العرب وبلاد الفرس. فأما ما كان من جانب العرب فذنب صاحبه مغفور وعذره مقبول، وأما ما كان من جانب الفرس فذنب صاحبه غير مغفور وعذره ردف: فنستطيع أن نحميك من جانب العرب ولكن لا طاقة لنا بالفرس.
فقال النبي: ما أسأتم الرد إذ أفصحتم بالصدق.
أي أنتم أناس صادقون ومحترمون.. ولكن لا يقوم بهذا الأمر إلا من أحاطه من جميع جوانبه.
الإسلام لا يتجزأ
لماذا قال لهم النبي ذلك؟
لأنه صلى الله عليه وسلم كان يعلم أن الدائرة ستدور على الفرس: وكان لابد أن يضع الأساس الصحيح للصراع.
الد